محمد بن جرير الطبري
17
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقد فصلت لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون ، وبينته لكم بقوله : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به . . . إلى قوله : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فلا لبس عليكم في حرام ذلك من حلاله ، فتمتنعوا من أكل حلاله حذرا من مواقعة حرامه . فإذ كان ذلك معناه فلا وجه لقول متأولي ذلك : وأي شئ لكم في أن لا تأكلوا لان ذلك إنما يقال كذلك لمن كان كف عن أكله رجاء ثواب بالكف عن أكله ، وذلك يكون ممن آمن بالكف فكف اتباعا لأمر الله وتسليما لحكمه ، ولا نعلم أحدا من سلف هذه الأمة كف عن أكل ما أحل الله من الذبائح رجاء ثواب الله على تركه ذلك ، واعتقادا منه أن الله حرمه عليه . فبين بذلك إذ كان الامر كما وصفنا أن أولى التأويلين في ذلك بالصواب ما قلنا . وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى قوله : فصل ، وفصلنا وفصل : بين ، أو بين ، بما يغني عن إعادته في هذا الموضع . كما : 10737 - حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وقد فصل لكم ما حرم عليكم يقول : قد بين لكم ما حرم عليكم . 10738 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد ، مثله . واختلفت القراء في قول الله جل ثناؤه : وقد فصل لكم ما حرم عليكم فقرأه بعضهم بفتح أول الحرفين من فصل وحرم : أي فصل ما حرمه من مطاعمكم ، فبينه لكم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : وقد فصل بفتح فاء فصل وتشديد صاده ، ما حرم بضم حائه وتشديد رائه ، بمعنى : وقد فصل الله لكم المحرم عليكم من مطاعمكم . وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين : وقد فصل لكم بضم فائه وتشديد صاده ما حرم عليكم بضم حائه وتشديد رائه ، على وجه ما لم يسم فاعله في الحرفين كليهما . وروي عن عطية العوفي أنه كان يقرأ ذلك : وقد فصل بتخفيف الصاد وفتح الفاء ، بمعنى : وقد أتاكم حكم الله فيما حرم عليكم .